للجغرافيا لغة لا يفهمها إلا من اتّسعت قلوبهم للمحبة، وللجيرة معانٍ تتجاوز حدود الأرض والمسافات لتستقر في أعمق نقطة من الوجدان. وحين أقول: «أنا وجيزان جيران»، فأنا لا أتحدث عن حدود إدارية أو جغرافية، بل عن قرابة روحية، ونبض مشترك، وجيرة قلبية جعلت لهذه المدينة الاستثنائية مكانة لا يزاحمها فيها أحد.
إنها مدينة يمكن أن تصافحها عيناك من فرط لطفها؛ مدينة تغفو على شاطئ البحر الأحمر، وتستيقظ على ترانيم جبالها الخضراء. تفوح من أزقتها رائحة الفلّ والكادي، وتنساب في تفاصيلها بساطة الحياة وسحرها العفوي. في جازان، يشعر الغريب أنه في بيته وبين أهله من اللحظة الأولى؛ فهذه المدينة تملك قدرة ساحرة على احتضان الجميع برفق لا تجده في أي مكان آخر.
لكن، ما الذي يجعل المدن عظيمة حقًا؟ ليست المباني ولا الشوارع، بل الإنسان الذي يعمرها. وهنا يتجلّى سرّ جازان؛ فأهلها عظماء بالقول والفعل معًا. هم رجال ونساء صاغوا من الكرم منهج حياة، ومن حسن الخلق ثقافة يومية. كلمتهم صدق، ووعدهم عهد، وأفعالهم تسبق أقوالهم في المروءة والشهامة. تجد في نبرة صوتهم طيبة الأرض، وفي مواقفهم ثبات الجبال الشامخة في فيفاء وبلغازي. إنهم يجسّدون العظمة في أبهى صورها: عظمة التواضع، وعظمة العطاء دون مقابل، وعظمة الوفاء لكل من يمرّ ببلادهم.
إن الكتابة عن جازان ليست ترفًا أدبيًا، بل هي اعتراف بفضل مدينة منحتنا الكثير من النقاء، وأثبتت أن الجيرة الحقيقية هي جيرة الأرواح التي تتلاقى على الخير والجمال. ستبقى جازان أبدًا في القلب، وسيبقى أهلها رمزًا حيًا لكل ما هو نبيل وعظيم.
(
(
