قبل يومين فقط من انقضاء مهلة «تفاهم إسلام آباد» بين واشنطن وطهران، فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سجالاً جديداً حول أكثر ممرات العالم النفطية حساسية؛ إذ قال في تجمع بولاية نيويورك مساء أمس الجمعة إنه سيعلن مضيق هرمز «أرضاً تابعة للولايات المتحدة» — تصريحٌ سارع البيت الأبيض إلى وصفه بـ«المزحة»، لكنه كان كافياً ليستدعي رداً إيرانياً حاداً على لسان نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، الذي قال اليوم إن المضيق «كان وسيبقى إيرانياً» — فيما يظل المضيق، في حقيقته القانونية، ممراً دولياً تتقاسم مياهه إيران وسلطنة عُمان ويخضع عبوره لأحكام القانون الدولي للبحار، لا لإعلانات أيٍّ من الطرفين.
ما قاله ترمب.. وما قاله البيت الأبيض بعده
وخلال كلمة أمام منتسبي أكاديمية شرطة مقاطعة ناسو في نيويورك، ضمن فعالية داعمة لمرشحي الحزب الجمهوري لانتخابات التجديد النصفي، قال ترمب: «بعد أن ننتهي من هزيمة إيران — وهي تُهزم هزيمة قاسية — قريباً جداً سأعلن مضيق هرمز أرضاً تابعة للولايات المتحدة»، على حد وصفه.
غير أن مسؤولاً كبيراً في البيت الأبيض خفف من وقع التصريح في وقت لاحق، مؤكداً أن الرئيس «كان يمزح»، وأنه لم يناقش خطوة من هذا النوع مع مستشاريه — وهو نفي لم يمنع التصريح من التحول إلى قضية الساعة في طهران.
الرد الإيراني: «لا يُستولى عليه بتغريدة»
وجاء رد غريب آبادي، اليوم السبت عبر منصة «إكس»، بأعلى نبرة: «لا يمكن الاستيلاء على مضيق هرمز بتغريدة، ولا بحاملة طائرات، ولا بإصدار أمر، ولا بخطاب انتخابي»، مضيفاً أن بلاده «لا تخشى التهديدات ولا تخيفها استعراضات القوة». وزعم نائب الوزير أن واشنطن «تكبدت هزائم ثقيلة واستراتيجية»، وأن المضيق «لن يُغلق ولن يُفتح إلا بأمر إيران» التي ستواصل — بحسب تعبيره — ما تسميه «فرض الحصار» ما لم تقبل واشنطن «حقيقة الهزيمة».
وليست هذه أول مشاحنة «تسموية» بين الطرفين؛ فقد سبق أن ردت طهران في مايو الماضي على تلويح أمريكي بإطلاق اسم «مضيق ترمب» على الممر، في حرب رمزية توازي حرب الصواريخ والعقوبات.
الساعة تدق: المهلة تنتهي الإثنين
يكتسب السجال خطورته من توقيته؛ فمهلة الستين يوماً المنصوص عليها في مذكرة التفاهم الموقعة في 28 يونيو — المعروفة بـ«تفاهم إسلام آباد» — تنقضي رسمياً بعد غدٍ الإثنين 17 أغسطس، وسط جمود تفاوضي: ترمب أعلن في 7 يوليو أن الاتفاق «انتهى»، وعلقت إيران العمل به لاحقاً، فيما قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن المهلة «كانت للتفاوض لا لوقف إطلاق النار»، وأكدت طهران اليوم أنها «لم تقرر بعد» استئناف المحادثات. في المقابل، تؤكد باكستان — راعية التفاهم — أن ملف الوساطة «لم يُغلق» وأن التمديد يبقى خياراً مطروحاً.
وعلى الأرض، تتحرك القطع العسكرية قبل ساعة الحقيقة: فقد أعلن مسؤول أمريكي أمس توجه مجموعة حاملة طائرات جديدة إلى المنطقة لتحل محل «يو إس إس لينكولن»، فيما لوّحت واشنطن بأن إجراءاتها البحرية حيال الموانئ الإيرانية قد تستمر «إلى أجل غير مسمى»، وألمح وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى حزمة إجراءات اقتصادية جديدة ضد طهران توصف بأنها غير مسبوقة.
النفط يترقب
وارتفع خام برنت 1.7% ليغلق عند 88.52 دولاراً للبرميل أمس الجمعة مع تجدد المخاوف على تدفقات الطاقة، بعد أسبوع شهد مفارقة لافتة: بيانات أمريكية أظهرت تعافي صادرات الخام عبر المضيق إلى نحو 9 ملايين برميل يومياً — قرابة مستوياتها المعتادة التي تمثل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية — قبل أن يعيد السجال الجديد شحن الأسعار بعلاوة المخاطر.
الموقف السعودي: أمن الممرات «ركيزة»
خليجياً، جدد مجلس الوزراء السعودي في جلسته الأخيرة التأكيد على مساعي المملكة «لدعم جهود التهدئة في المنطقة وإرساء الحلول الدبلوماسية»، وعلى أن ضمان أمن الممرات المائية في مضيقي هرمز وباب المندب «ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي» — موقف ثابت يضع أمن الملاحة فوق سجالات التسمية والسيادة من أي طرف جاء.
وبقراءة تحليلية، يبدو تصريح ترمب — مزحةً كان أم رسالة — ورقة ضغط تفاوضية أكثر منه مشروعاً فعلياً؛ فلا سند قانونياً لضم ممر دولي، والبيت الأبيض نفسه سحب فتيله خلال ساعات. لكن توقيته قبيل انقضاء المهلة يرجح أنه جزء من حرب أعصاب تسبق أحد ثلاثة احتمالات: تمديد التفاهم بوساطة إسلام آباد، أو انزلاق تدريجي نحو جولة تصعيد جديدة تتصدرها العقوبات و«الإجراءات البحرية»، أو صفقة أوسع يكون المضيق عنوانها — وكلها احتمالات مفتوحة لا تنبؤات.
(
(
