حذّر الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، من تحديات سكانية وتقنية متصاعدة تواجه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مؤكداً أن آثارها المحتملة على أمن المجتمعات واستدامة التنمية لا تقل أهمية عن تداعيات الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة.
وأوضح سموه أن التحولات الديموغرافية المتسارعة ومخاطر الذكاء الاصطناعي تفرضان على دول الخليج تبنّي رؤية إستراتيجية مشتركة، توازن بين الاستعداد للتغيرات السكانية والاستفادة من التطورات التقنية، مع التعامل مع ما قد يصاحبها من تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية.
جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها سموه بعنوان «تحديات اليوم لمقومات المستقبل»، استضافها مركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، بدعوة من الشيخة مي الخليفة، مؤسس ورئيس مجلس أمناء المركز، في مدينة المحرق بمملكة البحرين، ضمن الموسم الثقافي الخامس والعشرين للمركز الذي يحمل عنوان «أجمل التاريخ كان غداً».
واستهل الأمير تركي الفيصل محاضرته بالتطرق إلى التحديات الأمنية التي تواجه دول الخليج، وفي مقدمتها الاعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وتهديد الملاحة الدولية، محذراً من مشروعات الهيمنة والتوسع الإيرانية والإسرائيلية، ومشيراً إلى أن المنطقة تواجه إلى جانب هذه التهديدات تحديات أخرى أقل ظهوراً لكنها ذات تأثير عميق في استقرار المجتمعات ومستقبل التنمية.
انخفاض الخصوبة وشيخوخة المجتمعات
وتناول سموه التحولات السكانية بوصفها أحد أبرز التحديات المستقبلية، مشيراً إلى التراجع الملحوظ في معدلات الخصوبة بدول مجلس التعاون خلال العقود الماضية.
واستشهد ببيانات البنك الدولي لعام 2024، التي أظهرت تسجيل سلطنة عُمان أعلى معدل خصوبة خليجياً بنحو 2.5 مولود لكل امرأة، تلتها المملكة العربية السعودية بنحو 2.3، ثم البحرين بنحو 1.8، وقطر بنحو 1.7، والكويت بنحو 1.6، والإمارات بنحو 1.2 مولود لكل امرأة.
وأوضح أن أربع دول خليجية أصبحت دون مستوى الإحلال السكاني المقدَّر بنحو 2.1 مولود لكل امرأة، ما ينذر بتحولات في التركيبة السكانية إذا استمرت المعدلات الحالية، لافتاً إلى أن انخفاض الخصوبة يقترن بتحدٍّ آخر يتمثل في تزايد شيخوخة المجتمعات، نتيجة ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتحسّن الرعاية الصحية وتراجع أعداد المواليد.
وبيّن أن المجتمعات الخليجية لا تزال تتمتع بتركيبة عمرية شابة، إلا أن هذه الميزة قد تتغير مع ارتفاع نسبة كبار السن مقارنة بالسكان في سن العمل، وما يترتب على ذلك من زيادة أعباء الإعالة والضغوط على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية.
وأشار إلى أن آثار هذه التحولات لن تقتصر على التركيبة العمرية، بل ستمتد إلى أنماط الأسرة والادخار والاستهلاك وأسواق العقار والعمل، فضلاً عن انعكاساتها على قدرة الاقتصادات الخليجية على المحافظة على النمو والرخاء.
الذكاء الاصطناعي ومفارقة سوق العمل
وتطرق الأمير تركي الفيصل إلى العلاقة بين التحولات السكانية والتطور التقني، موضحاً أن النمو السكاني وتوافر العمالة شكّلا ركيزة أساسية لازدهار اقتصادات الخليج في منتصف القرن الماضي، غير أن تراجع الخصوبة وتزايد الشيخوخة بالتزامن مع اشتداد المنافسة العالمية على العمالة المهاجرة سيعززان أهمية الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات ورفع الإنتاجية للمحافظة على النمو الاقتصادي.
ولفت إلى مفارقة تتمثل في أن التقنية قد تصبح ضرورة لتعويض النقص المستقبلي في القوى العاملة، في الوقت الذي قد يؤدي فيه التوسع في استخدامها إلى تقليص الوظائف المتاحة حالياً، خصوصاً أمام الشباب والخريجين الجدد.
وحذّر من احتمال مواجهة بعض القطاعات تحديات البطالة التقنية في المرحلة الراهنة، بالتزامن مع نقص العمالة وارتفاع أعباء الإعالة مستقبلاً، مؤكداً أهمية التعامل مع التحولين السكاني والتقني ضمن رؤية واحدة لمستقبل الاقتصاد والمجتمع.
تحالف خليجي لدعم الأسرة والطفولة
وفي سياق الحلول، دعا سموه إلى التعامل مع برامج جودة الحياة ورعاية الأسرة والطفولة بوصفها مشروعات إستراتيجية لمواجهة التحولات السكانية، وليس مجرد برامج لتحسين الظروف المعيشية.
وأشار إلى عدد من التجارب والمبادرات القائمة في دول الخليج، من بينها برنامج جودة الحياة ومنصات الدعم الأسري والإسكاني في المملكة العربية السعودية، والمجلس الأعلى للأمومة والطفولة في الإمارات، ومبادرات التوازن بين العمل والحياة الأسرية في دول المجلس.
واقترح بناء تحالف خليجي للأمومة والأبوة والطفولة، يعزز التعاون في معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية المؤثرة في تكوين الأسر والإنجاب، بما يشمل تكاليف السكن ورعاية الأطفال وتحقيق التوازن بين الالتزامات المهنية والأسرية، إلى جانب تطوير سياسات تستجيب للاحتياجات المتزايدة لكبار السن.
كما دعا إلى تعزيز التعاون الخليجي في رصد التحولات السكانية واستشراف آثارها، من خلال منظومة تربط بين مؤشرات الخصوبة والشيخوخة والهجرة وأسواق العمل، مع مراعاة الفروق بين المواطنين والمقيمين.
وأكد أن التحديات الممتدة لعقود لا يمكن مواجهتها بسياسات قصيرة الأجل، بل تتطلب بيانات دقيقة وتخطيطاً إستراتيجياً وتبادل الخبرات بين دول مجلس التعاون، بما يعزز جاهزيتها للتغيرات المقبلة ويحافظ على استدامة تنميتها.
(
(
