للحلويات الشعبية في منطقة جازان حكاية تتجاوز مذاقها، فهي جزء من ذاكرة اجتماعية تختزن تفاصيل الأعياد والزيارات العائلية وموائد الضيافة، وتستحضر عاداتٍ تناقلتها الأجيال حتى غدت بعض أصنافها مألوفة في الوجدان، بما تحمله من ارتباط بالمكان وخصوصية الموروث الغذائي، ويأتي المشبك والحلقوم ضمن هذه الأصناف التي تجمع بين جاذبية الشكل وألفة المذاق.
ويمنح المشبك بلونه الذهبي وخيوطه المتداخلة واجهات الحلويات طابعًا لافتًا، فيما يتميز الحلقوم بقوامه الطري وألوانه المتنوعة، في تنوع بصري ومذاقي يعكس تعدد أصناف الحلوى التقليدية، وبين هذين الصنفين تتجدد علاقة الناس بالنكهات المألوفة التي تستعيد حضورها في المناسبات الاجتماعية وترافق تفاصيل الضيافة.
ولا تقف دلالة هذه الحلويات عند حدود إعدادها وتقديمها بل تمتد إلى ما تمثله من ممارسات اجتماعية ارتبطت بالاحتفاء بالضيف ومشاركة الأفراح، إذ تحمل بعض النكهات قدرةً خاصة على استدعاء الذكريات وربط الحاضر بتجارب سابقة عاشتها الأسر في الأعياد واللقاءات العائلية لتصبح الحلوى في هذا السياق جزءًا من الحكاية الاجتماعية لا مجرد صنفٍ يُقدّم على المائدة.
ويُحضّر المشبك عادةً من خليط العجين الذي يُشكّل في هيئة خيوط متشابكة، ثم يُقلى حتى يكتسب لونه الذهبي، ويُضاف إليه القطر ليمنحه حلاوته المعروفة فيما يُصنع الحلقوم بقوامه الهلامي المرن وتتعدد نكهاته وألوانه بحسب مكوناته وطرق إعداده، ويمنح اختلاف القوام والشكل لكل صنف خصوصيته ضمن عالم الحلويات الذي تتنوع فيه طرائق التحضير والتقديم.
وتبرز أهمية الموروث الغذائي بوصفه أحد المداخل للتعريف بالهوية الثقافية للمناطق، إذ لا تقتصر المعرفة بالمكان على معالمه الطبيعية والتاريخية بل تشمل كذلك ما يقدمه من منتجات محلية وما يرتبط بها من عادات ومهارات وممارسات متوارثة، ومن هذا المنطلق تُمثل الحلويات الشعبية جانبًا من التجربة الثقافية التي يمكن للزائر التعرف من خلالها على تفاصيل الحياة اليومية ومظاهر الضيافة المحلية.
كما يرتبط استمرار هذا الموروث بقدرته على الانتقال بين الأجيال من خلال المحافظة على المعارف المرتبطة بإعداد أصنافه وتقديمها والتعريف بقيمتها الاجتماعية والثقافية، بما يعزز حضورها في الحياة المعاصرة ويحفظ صلتها بالذاكرة المحلية.
وفي جازان، تبقى حكاية المشبك والحلقوم مثالًا على حضور التفاصيل البسيطة في تشكيل ذاكرة المجتمعات، فبين لونٍ ذهبي وقوامٍ طري، تتوارث الأجيال مذاقاتٍ ارتبطت بالمناسبات واللقاءات، وتستمر الحلوى الشعبية بوصفها جزءًا من موروث غذائي يروي بطريقته الخاصة حكاية الإنسان والمكان.
(
(
