في اليوم الأول من الأسبوع الرفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة، انتقل وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بين أربع طاولات في نيويورك خلال ساعات: المجموعة الرباعية الإقليمية مع باكستان ومصر وتركيا، ولقاء ثنائي مع إسلام آباد خُتم بتوقيع اتفاقية، ثم اجتماعان لدول مجلس التعاون مع فرنسا وسويسرا. أربعة اجتماعات تبدو منفصلة، لكن قراءتها معًا ترسم خريطة الحركة الدبلوماسية للمملكة في لحظة إقليمية مضغوطة: دائرة إسلامية للتنسيق الأمني، وشريك آسيوي يتعمق الارتباط به، ومظلة خليجية موحدة أمام الشركاء الأوروبيين.
الدائرة الأولى: الرباعية التي وُلدت في الرياض
عقد وزراء خارجية المملكة وباكستان ومصر وتركيا اجتماعهم السادس، بحضور نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبدالعاطي، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وبحثوا تطورات الأوضاع الإقليمية وسبل تعزيز التنسيق، مؤكدين أهمية الجهود الدبلوماسية والتشاور لخفض التوتر وحفظ الأمن والاستقرار.
اللافت هو وتيرة هذه المجموعة: ست جولات في ستة أشهر. نواتها الأولى اجتماع تنسيقي في الرياض في 19 مارس على هامش اجتماع تشاوري لوزراء الخارجية العرب والمسلمين، ثم إسلام آباد في 29 مارس، فالقاهرة في 21 يونيو حيث استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسي الوزراء الأربعة، ثم عمّان، وصولًا إلى نيويورك. وصفتها الخارجية المصرية بأنها «منصة للتشاور لتعزيز الأمن والاستقرار»، وتتقاطع عضويتها مع اتفاقية الدفاع المشترك التي وُقّعت في مكة المكرمة في 7 أغسطس بين المملكة وباكستان وتركيا، ما يجعلها الإطار السياسي الأوسع الذي يحيط بذلك الترتيب الدفاعي.
الدائرة الثانية: باكستان.. من التنسيق إلى التسهيل
على هامش الرباعية، اجتمع الوزير بنظيره الباكستاني ثنائيًا، واستعرضا علاقات التعاون ومستجدات المنطقة والجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر، ووقّعا اتفاقية للإعفاء المتبادل من تأشيرات الإقامة القصيرة لحاملي الجوازات الدبلوماسية والخاصة، بحضور سفيرة المملكة لدى الولايات المتحدة الأميرة ريما بنت بندر، ومدير عام إدارة تخطيط السياسات الأمير عبدالله بن خالد بن سعود الكبير، ومستشار الوزير للشؤون السياسية الأمير مصعب بن محمد الفرحان.
الاتفاقية إجرائية في ظاهرها، لكنها تأتي بعد أسابيع من دخول اتفاقية مكة حيز التنفيذ، وبعد تأكيد إسلام آباد قبل أيام التزامها الكامل بالدفاع عن المملكة؛ أي أن العلاقة تنتقل من مستوى الإعلان إلى مستوى تسهيل الحركة اليومية بين الجهازين الدبلوماسيين.
الدائرة الثالثة: الخليج بصوت واحد أمام أوروبا
في الاجتماعين الوزاريين لدول مجلس التعاون مع فرنسا ثم سويسرا، شارك الوزير ضمن الوفود الخليجية بحضور وكيل الوزارة للشؤون الدولية المتعددة الدكتور عبدالرحمن الرسي. مع باريس بُحثت «تطورات الأوضاع الإقليمية وتداعياتها على الأمن والاستقرار» وأوجه التعاون في مواجهة التحديات الراهنة والموضوعات المدرجة على جدول الجمعية العامة، ومع برن استُعرضت أوجه التعاون والتنسيق وسبل تعزيزها.
وكان الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي قد وضع إطار هذه اللقاءات بقوله إن الاجتماع مع فرنسا «يأتي في ظل ظروف بالغة الدقة تمر بها المنطقة»، مشيرًا إلى تعرض دول المجلس منذ 28 فبراير لهجمات إيرانية استهدفت منشآت حيوية ومقار دبلوماسية «رغم أن دول المجلس لم تكن طرفًا في الحرب»، ووصف الشراكة الخليجية الفرنسية بأنها «ركيزة مهمة لتعزيز الأمن والاستقرار».
وسبقت هذه الاجتماعات جلسة تنسيقية للمجلس الوزاري الخليجي عُقدت الاثنين في مقر بعثة البحرين لتوحيد المواقف قبل انطلاق الأسبوع الرفيع المستوى، وهو ما يفسر خروج الخليجيين إلى الشركاء الأوروبيين بموقف واحد.
ما الذي يجمع الطاولات الأربع؟
خيط واحد يمر عبرها: احتواء التصعيد وحماية الاستقرار. في الرباعية تنسيق سياسي مع ثلاث دول إسلامية وازنة، ومع باكستان تعميق لشراكة دفاعية بأدوات مدنية، ومع فرنسا وسويسرا استثمار للمظلة الخليجية أمام عواصم أوروبية تملك مقعدًا في مجلس الأمن أو دورًا وسيطًا تقليديًا. ويأتي ذلك كله قبل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة دول مجلس التعاون في نيويورك لبحث مسار الحرب مع إيران وما بعدها، وقبل كلمة المملكة في المناقشة العامة.
(
(
