على امتداد سهول منطقة جازان ومرتفعاتها وأوديتها، ارتبطت حياة المزارعين منذ القدم بتقويم موسمي تشكلت ملامحه من مواقيت الأمطار وجريان الأودية ومراحل نمو المحاصيل، فأصبح دليلًا يستند إليه أهل الزراعة في تهيئة الأرض وحرثها وزراعتها وحصادها، ومعرفة ما يتصل بكل موسم من أعمال وممارسات متوارثة.
وتبدأ دورة العمل الزراعي مع بشائر المطر وجريان السيول، حين تستعيد الأرض حيويتها وتتهيأ الحقول لموسم جديد، فيما تتعاقب مواسم زراعية عُرفت في الذاكرة المحلية، من بينها “الخريف” و”مذرة المخراط” و”السعودات”، وهي مواسم ارتبطت لدى المزارعين بتحديد أوقات الاستعداد للزراعة ومراحل نمو المحاصيل وحصادها.
وتحل “مذرة المخراط” في منتصف أكتوبر، وتُعد من أشهر مواسم زراعة الذرة في المنطقة، بعد موسم “الخريف”, الذي يبدأ في أواخر أغسطس، فيما يستمر التقويم الزراعي في رصد مراحل المحصول حتى مواسم الحصاد.
واعتمد المزارعون قديمًا على خبراتهم المتراكمة في قراءة الأمطار وجريان الأودية وحساب المواقيت، ونقلوا تلك المعارف من جيل إلى آخر.
وتحتل الذرة الرفيعة مكانة بارزة في المشهد الزراعي في جازان، إلى جانب الدخن والسمسم، إذ أسهمت طبيعة المنطقة ومصادر مياهها المتنوعة، من الأمطار والسيول والآبار، في استمرار زراعة هذه المحاصيل في بيئاتها المختلفة.
ومن بين أبرز مراحل الموسم الزراعي يبرز “الخضير”، حين تُقطف سنابل الذرة قبل اكتمال نضجها، وتُجهز حبوبها بطرق تقليدية لإعداد عدد من الأطباق الشعبية التي ارتبطت بالمائدة الجازانية، وأصبح هذا الموسم علامة ثقافية تتجاوز حدود المحصول، بما يحمله من ذكريات مرتبطة بالأرض والحصاد والعائلة، وما يحفظه من طرق إعداد توارثتها الأجيال.
ولا تقتصر دلالة مواسم الزراعة في جازان على الجانب الإنتاجي فقط بل شكلت عبر الزمن إطارًا اجتماعيًا تتداخل فيه أعمال الحقول مع مظاهر التعاون بين أفراد المجتمع، وأسهمت في حفظ خبرات المزارعين وممارساتهم الزراعية، إلى جانب ارتباطها بالموروث الغذائي الذي ما زالت بعض تفاصيله حاضرة في الحياة اليومية.
وتُقدّر المساحات المزروعة بالذرة الرفيعة في منطقة جازان بأكثر من (60) ألف هكتار، بإنتاج سنوي يتجاوز (55) ألف طن من الحبوب، ما يعكس أهميتها الزراعية والاقتصادية، وحضورها الراسخ في الموروث الغذائي لأهالي المنطقة.
ومع المحافظة على هذا الموروث الزراعي، تشهد الزراعة في المنطقة تطورًا في أساليب الإنتاج ووسائل الري والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يعزز قدرة المزارعين على الاستفادة من الموارد المتاحة، ويجمع الخبرة المتوارثة والممارسات الزراعية الحديثة، إلى جانب استمرار حضور الطرق التقليدية في مواسم الزراعة والحصاد.
وبين موسم يبدأ مع المطر، وحقل يستعيد اخضراره، وسنبلة تُقطف في موعدها، تتواصل في جازان حكاية الأرض مع الإنسان، حكاية لم تحفظها الذاكرة بوصفها مواسم زراعية فحسب، بل أبقت معها معارف وممارسات وأطعمة ارتبطت بالمكان، لتظل مواسم الزراعة جزءًا من هوية المنطقة وذاكرتها الثقافية، من أول بشائر المطر إلى آخر مراحل الحصاد.


(
(
