لم يعد السؤال في مضيق هرمز «هل يُفتح أم يُغلق؟» — بل «من يتحكم بمفاتيحه؟». فبعد ستة أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، تغيرت جغرافيا الملاحة في أهم شريان نفطي على الأرض تغيراً جوهرياً خلال الأسابيع الأخيرة: ممرٌ جنوبي عبر المياه العُمانية يستعيد التدفقات نحو مستوياتها، وطهرانُ التي تعهدت بإبقاء المضيق «مغلقاً بأمرها» تجد نفوذها يتآكل، فترد بأدوات الإنفاذ الأخيرة المتبقية لها: الصواريخ وخطف الناقلات. هذه الخريطة الكاملة لآخر التطورات:
أولاً: الأرقام تروي التحول
بحسب بيانات شركة تتبع السفن «كبلر»، عبر المضيق وحوله خلال الأيام الأخيرة نحو 15 مليون برميل يومياً من الخام والسوائل — اقتراباً لافتاً من مستويات ما قبل الحرب البالغة نحو 20 مليوناً — بعد أسابيع كانت فيها الحركة قد انهارت إلى 4% فقط من مستوياتها الطبيعية (أكثر من 130 سفينة يومياً قبل الحرب). وأعلن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت أن أحجام عبور النفط الأسبوع الماضي «تقارب مستويات ما قبل الصراع».
ثانياً: سر التعافي — «الممر العماني»
مفتاح التحول ممرٌ ملاحي جنوبي يمر عبر المياه العُمانية بتخويل أممي وتحت حماية البحرية الأمريكية، متجاوزاً المسار الشمالي المحاذي للساحل الإيراني الذي تشترط طهران المرور عبره وتفرض عليه ما تسميه «رسوم خدمات». وخلال الأسبوعين الماضيين، سلكت أكثر من 80% من شحنات السوائل هذا الممر العماني (أو أبحرت «رحلات مظلمة» بأجهزة تتبع مطفأة) — بعدما كان الممر شبه خالٍ قبل شهر واحد فقط. وتعارض طهران المسار بشدة، فيما يلخص محلل «كبلر» همايون فلك شاهي المشهد: المؤشرات تدل على أن إيران «فقدت السيطرة على المضيق جزئياً».
ثالثاً: رد طهران — ناقلة «أمارا» أداةً للرسالة
وحين تُفقد السيطرة بالقانون، تُستعاد بالقوة؛ فقد صعّد الحرس الثوري أدوات إنفاذه: ثلاث هجمات على ناقلات تابعة لـ«أدنوك» الإماراتية خلال 48 ساعة منتصف الشهر، ثم احتجاز ناقلة النفط «أمارا» — التي ترفع العلم الليبيري وترتبط بالملاحة الإماراتية وكانت متجهة إلى ميناء جبل علي — واقتيادها من الممر الشمالي إلى بندر عباس، بذريعة «انتهاك قوانين إيران البحرية»: رفض سلوك المسار الذي تحدده طهران، وعدم دفع «رسوم الخدمات».
رابعاً: القطيعة الإماراتية
وبلغ التوتر الإيراني-الإماراتي ذروة غير مسبوقة؛ إذ اتهمت الخارجية الإماراتية الحرس الثوري بارتكاب أعمال «قرصنة» واستخدام المضيق «أداة إكراه وابتزاز اقتصادي»، وأعلنت أبوظبي — قبل يوم واحد من احتجاز «أمارا» — تعليق جميع التبادلات التجارية والمالية مع إيران حتى إشعار آخر، مع تأكيدها التزامها بالحوار والاستقرار الإقليمي.
خامساً: مسار عُمان التفاوضي.. قريبٌ ومعلق
على الضفة الدبلوماسية، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن الاتفاق مع مسقط حول ترتيبات الملاحة «قريب جداً»، وأكد المتحدث باسم خارجيته إسماعيل بقائي بلوغ الصياغة «مراحلها النهائية» — لكنها ترتيبات جزئية لا فتحاً كاملاً؛ فطهران تشترط للفتح الكامل قائمة مطالب عالية السقف بحسب أمين مجلس أمنها القومي: رفع الإجراءات البحرية الأمريكية عن موانئها والعقوبات، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة، وتعويضات حرب، والإفراج عن أصولها المجمدة — فيما تتمسك واشنطن بإجراءاتها على الموانئ الإيرانية «إلى أجل غير مسمى»، وتدفع بمجموعة حاملة طائرات جديدة إلى المنطقة، ويزعم الرئيس ترمب «سيطرة كاملة» على المضيق — وهو وصف يجادل فيه المحللون.
سادساً: أين الخليج والسعودية من كل هذا؟
خليجياً، لجأت السعودية والكويت والإمارات إلى استئجار ناقلات عملاقة (VLCC) لتقليص الانكشاف على مخاطر العبور، فيما تتحرك الرياض على مسار الحلول البنيوية: مباحثات سمو ولي العهد في باريس أمس تناولت — ضمن أجندتها — تنويع مسارات نقل الطاقة ببدائل بحرية للمضيق وخطوط أنابيب ومشاريع سكك إقليمية، اتساقاً مع الموقف السعودي الثابت الذي جدده مجلس الوزراء: أمن الممرات المائية في هرمز وباب المندب «ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي».
وبقراءة تحليلية، يتجه المضيق نحو معادلة «إغلاق مفرّغ من مضمونه»: كلما اتسع الممر العماني المحمي، تراجعت قيمة ورقة الإغلاق الإيرانية وتضاءل عائدها التفاوضي — وهو ما قد يدفع طهران إلى أحد مسارين متناقضين: تسريع «صفقة مسقط» لحفظ ماء الوجه قبل أن تفقد الورقة قيمتها كلياً، أو رفع كلفة الممر البديل بمزيد من الهجمات والاحتجازات على طريقة «أمارا». وبينهما سيناريو ثالث تختبره الأيام: أن تفرض الوقائع الملاحية نفسها فيعود المضيق تدريجياً دون اتفاق يعلن أصلاً — وكلها احتمالات مفتوحة لا تنبؤات.
(
(
